الخطيب الشربيني

227

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

تعالى وتمام العلم وكمال القدرة وأنه لا فاعل في الحقيقة إلا هو لكن لِقَوْمٍ أي : ذوي همم وكفاية القيام بما يحق لهم أن يقوموا به يُؤْمِنُونَ أي : يوجدون هذا الوصف ويديمون تجديده كل وقت لما يتواصل عندهم من قيام الأدلة بإدامة التأمّل والإمعان والتفكر والاعتماد في الرزق على من قال وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ [ القمر : 17 ] أي : من طالب علم فيعان عليه ، فلا يفرحون بالنعم إذا حصلت خوفا من زوالها إذا أراد القادر ذلك ، ولا يغتمون بها إذا زالت رجاء في إقبالها فضلا من الرازق ؛ لأنّ أفضل العبادة انتظار الفرج بل همهم بما عليهم من وظائف العبادة واجبها ومندوبها ، ومعرضون عما سوى ذلك قد وكلوا أمر الرزق إلى من تولى أمره وفرغ من قسمه وقام بضمانه وهو القدير العليم . ولما أفهم ذلك عدم الاكتراث بالدنيا لأنّ الاكتراث بها لا يزيدها ، والتهاون بها لا ينقصها قال تعالى مخاطبا لأعظم المتأهلين لتنفيذ أوامره : فَآتِ يا خير الخلق ذَا الْقُرْبى أي : القرابة حَقَّهُ أي : من البرّ والصلة ؛ لأنه أحق الناس بالبر وصلة الرحم جودا وكرما وَالْمِسْكِينَ سواء كان ذا قرابة أم لا وَابْنَ السَّبِيلِ وهو المسافر كذلك من الصدقة ، وأمّة النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم تبع له في ذلك . تنبيه : عدم ذكر بقية الأصناف يدلّ على أنّ ذلك في صدقة التطوّع ، ودخل الفقير من باب أولى لأنه أسوأ حالا من المسكين ، فإن قيل : كيف تعلق قوله تعالى فَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ بما قبله حتى جيء بالفاء ؟ أجيب : بأنه لما ذكر أنّ السيئة أصابتهم بما قدّمت أيديهم أتبعه ذكر ما يجب أن يفعل وما يجب أن يترك ، وقد احتج أبو حنيفة بهذه الآية في وجوب النفقة للمحارم إذا كانوا محتاجين عاجزين عن الكسب ، وعند الشافعي رضي الله عنه لا نفقة بالقرابة إلا على الولد والوالدين . قاس سائر القرابة على ابن العمّ ؛ لأنه لا ولادة بينهم . ولما أمر بالإيثار رغب فيه بقوله تعالى : ذلِكَ أي : الإيثار العالي الرتبة خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ أي : ذاته أو جهته وجانبه أي : يقصدون بمعروفهم إياه خالصا لوجهه كقوله تعالى إِلَّا ابْتِغاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلى [ الليل ، 20 ] أي : يقصدون جهة التقرّب إلى الله تعالى لا جهة أخرى ، والمعنيان متقاربان ولكن الطريقة مختلفة وَأُولئِكَ أي : العالو الرتبة لغناهم عن كل فان هُمُ الْمُفْلِحُونَ أي : الفائزون الذين لا يشوب فلاحهم شيء ، وأمّا غيرهم فخائب : أمّا من لم ينفق فواضح ، وأما من أنفق على وجه الرياء فقد خسر ماله وأبقى عليه وباله كما قال تعالى : وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً أي : مال على وجه الربا المحرّم بزيادة في المعاملة أو المكروه بعطية يتوقع بها مزيد مكافأة ، وكان هذا مما حرم على النبي صلّى اللّه عليه وسلم لقوله تعالى وَلا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [ المدثر : 6 ] أي : لا تعط وتطلب أكثر مما أعطيته تشريفا له ، وكره لعامّة الناس فسمي باسم المطلوب من الزيادة في المعاملة فالربا ربوان : فالحرام : كل قرض يؤخذ فيه أكثر منه أو يجرّ منفعة ، والذي ليس بحرام أن يستدعي بهديته أو بهبته أكثر منها ، وقرأ ابن كثير بقصر الهمزة بمعنى ما جئتم به من إعطاء ربا ، والباقون بمدّها لِيَرْبُوَا أي : يزيد ويكثر ذلك فِي أَمْوالِ النَّاسِ أي : يحصل فيه زيادة تكون أموال الناس ظرفا لها فهو كناية عن أنّ الزيادة التي يأخذها المرابي من أموالهم لا يملكها أصلا ، وقرأ نافع بتاء الخطاب بعد اللام مضمومة وسكون الواو ، والباقون بالياء التحتية مفتوحة وفتح الواو فَلا يَرْبُوا أي : يزكو وينمو فلا ثواب فيه عِنْدَ اللَّهِ أي : الملك الأعلى الذي له الغنى المطلق وصفات الكمال ، وكل ما لا يربو عند الله فهو ممحوق لا وجود له فمآله إلى فناء وإن كثر يَمْحَقُ